الجمعية

نشاطات

أعلان

كل

الامام أبو حامد الغزالي: حياته الفكرية. يوسف المداني

الامام أبو حامد الغزالي:
حياته الفكرية
نلتقي اليوم لِنُلقي بعض شباك الصيد على الحيتان التي تسبح في الحياة الفكرية لإمامٍ عظيم. تَعدَّدت منابعه الفكرية. و تكاثرت جدالاته للمخالفين. و عُرف عند المخالفين و الموافقين بسعة مداركه.  هو الامام ابو حامد الغزالي. فتقديم ترجمة وافية له ليست من المقاصد التي أقصد إليها هنا. لأنَّه مما يضيق الزمان دونه. لكن ما لا يُدرك كله لا يترك جُلُّه.
-أ- حكايتي مع كتاب "المنقذ من الضلال" و "إحياء علوم الدين":
   دعوني أرجع إلى مستوى الباك. يَومها كُنتُ مشغولاً بهَمٍّ. و كان ذلك الهمُّ هو الوقوع على تَرجمةٍ لإمام صدع بما عليها نفسُه من مُدافعته الشُّكوك الواردة على عقائده. و أن يكون قد انتشر في أرجاءِ الكتبِ ذكر فضله في الدِّفاع على هذه العقائد التي أعتقدها أنا. فهل مرَّ بتاريخ الامة الاسلامية مثل هذا الإمام؟  إذ كلَّما قرأتُ ترجمة أحدهم أجدهم يقولون عنه "كان قد حفظ القران في صغره و تعلم و تفقه ... و غير ذلك" و لا أكاد أجد شيء ً فيما يخص ذلك السُّؤال ذو أبحث له عن جواب.
   كان هذا السُّؤال كَمِثل شرارةٍ أحرقت العديد من سعادتي في مستوى الباك. و كنتُ غالب وقتي مهموماً مغتماًّ . كأنَّ الدنيا قد ضاقت من سعة. و فقدتُ -ممَّا فقدتُ- يومها تلك اللذة التي كنت أجدها في سعي الحثيث لحل عويصة من عويصات الرياضيات. فطفق الكسل يتسلَّل إلى جنبات نفسي. و كان آخره نجاحي في الباك بميزة "مقبول". في حين كان بمقدرتي الحصول على خير منها لوما ذلك الكسل الناتج من الهم. و ذلك الهم الناتج من ذاك السُّؤال.
   صاحبني هذا السُّؤال إلى الجامعة و صاحبني معه همُّه و غمُّه. و قضى على الأسدس الأوَّل كما كان قد قضى على عام الباك. و جاء يوم فرج هذا الهمِّ في الأسدس الثاني. إذ كنتُ كلَّما انتهينا من حصَّة الجبر أرى سيدة فاضلة تَقرأ كتاباً تنتظر به مجيء الاستاذ الآخر. أصابني الفضول. ثم اتجهتُ صوبها لأعرف نوع ذلك الكتاب و صاحبه. فسألتها عنه و عن موضوعه. فلما بدأت أتصفحه استغربت من أسلوبه الصريح و العجيب في وصف أحواله النفسية من العبارات الأولى من المقدمة. و حدَّثتني هذه السيدة الفاضلة عن الامام الغزالي حديثاً كان دافعاً كبيراً أن أطلب منها إعارته لي. الطلب الذي قوبل برفض مؤدَّب. و علَّته أنَّها لم تُكلمه. كانت صفحات هذا الكتاب بيضاء مائلة اللون الى الصفرة. و وعدتني ريثما تُكلمه تُعِرْه لي. لم أكن أملك المال لشراء الكتاب. و انتظرتُ أسبوعاً جاءتني بعده بكتاب غير ذلك الذي كانت تقرأ فيه. أحسستُ بالسُّوء. فهو يظهر عليه آياتُ الجديد. فلمَّا سألتها علةَ ذلك. أفادتني بحكمة قائلةً :" لا أحبُّ إعارة كتبي لأحد. عندما أنهي قراءة كتاب. يصير بيني و بينه شراكٌ. فقراءتي لحروفه مثلها مثل غزل نسيج أدنى خيوطه في جنبي و أقصى خيوطه في جنبه." تَغيرت منذ يومئذ نظرتي للقراءة بل و صداقتي للكتب.
بعدما اطَّلعتُ على كتاب "المنقذ من الضلال" فرَّج همي و وجدتُ جواباً شافيا عن سؤالي. إذ إن الامام الغزالي قد دوَّن سيرته الفكرية في كتابه هذا. ثم طالعتُ كتبا أخرى له. و من اهمها كتابه العظيم "إحياء علوم الدين". و كانت ابنة اختي سميرة غالبا ما تسألني أسئلة من نوع : ما هو الله؟ أين الله؟ كيف هو الله؟ و ماذا يفعل الله الآن.؟ و أسئلة كثيرة عن القدر.. كنت أحاول عند كلِّ سؤال الاجابة و التسرع فيها. لكن قلتُ في نفسي أن أنهج نهج حثِّها على القراءة و البحث على ضوئها. و قبل أقل من ثلاث سنوات من هذا اليوم قدَّمتُ لها كتاب "كبرى اليقينيات الكونية لسعيد البوطي" فالتهمت مسائله بعدما شكتْ لي أوَّل الأمر صعوبة لغته. لكن ناقشتها  في بعض مسائله فتبين بعد النقاش أنها قد أجادت أغلب مسائله. فبدأت تختصره و تحتج لبعض المسائل بتصديقات من عندها. لكن مما هو ظاهر أنَّه لم يشف غليلها. ثم قدَّمتُ لها كتاب "الاحياء". شكت لي أيضا صعوبة لغته. ثم قدَّمتُ لها معه كتاب لقطة العجلان. فبدأت تطالعهما معا لكن سرعان ما استغنت عن هذا الاخير بعدما ألفت لغة الغزالي. فانفتح لها من هذا الكتاب سراج قالت لإثره:" انَّه قد تأكد لي اليوم كم كنت ساذجة في ما كنت أطرحه من أسئلة من ذي قبل." و لقد استفدتُ كثيراً من ملاحظاتها و تدقيقاتها و مناقشاتها لي و "فوق كل ذي علم عليم".
-ب-تأثير الغزالي:
امتد تأثير الغزالي من مذهبه "الأشعري" إلى باقي المذاهب الاسلامية منها المذهب الشيعي الإمامي. فهم قد بالغوا في الاهتمام به الى أن هموا بإدراجه ضمن رجالات مذهبهم. و قد بالغوا في الاهتمام بكتابه العظيم "احياء علوم الدين" حتى أزالوا منه مقدَّمة "العقائد" و أدرجو فيه نصوص من عقائدهم مع الحفاظ على باق الكتاب.
و لم يضل الغزالي حبيس جدران الاسلام في تأثيره. بل خرج الى نطاق واسع كما يذهب البعض الى أنَّ الفيلسوف "ديكارت" قد تأثر به. فلقد ذكر د. محمود حمدي زقزوق في كتابه المنهج الفلسفي بين الغزالي و ديكارت التقارب العظيم بين ديكارت و الغزالي في الأفكار و الطريقة، حتى إنه يوجد تقارب هائل بين كتاب ديكارت "التأملات" و كتاب "المنقذ من الضلال" للغزالي و هذا أمر في نظره واضح، ثم قال (ص 12-13):
"و قد سبق أن أشرنا في مقدمة الطبعة العربية الثانية إلى ما قاله المؤرخ التونسي عثمان الكعاك من اطلاع ديكارت على أفكار الغزالي عن طريق ترجمة لاتينية لكتاب المنقذ من الضلال للغزالي لا تزال توجد في مكتبة ديكارت بالمكتبة الوطنية في باريس، و لكن المكتبة الوطنية في باريس نفت أن يكون لديها ما يسمى بمكتبة ديكارت، و نفت وجود الترجمة اللاتينية التي أشار إليها الكعاك. و ذلك في خطاب تلقاه الزميل الدكتور عبد الصمد الشاذلي من المكتبة المذكورة عام 1985م، ردا على استفساره عن هذا الموضوع بعد حوار دار بيننا في هذا الصدد. و قد توصل الدكتور الشاذلي الذي يعمل في جامعة جوتنجن بألمانيا الى شواهد توحي بتأثر ديكارت بأفكار الغزالي. فقد أشار الدكتور الشاذلي في مقدمته للترجمة الألمانية لكتاب المنقذ إلى اثبات أن ديكارت كانت تربطه صلة صداقة ببعض المستشرقين الذين كان لديهم النص العربي لكتاب المنقذ و من بين هؤلاء الأصدقاء كان المستشرق الشهير جاكوب جوليوس (1596-1667) كما كان ليفينوس فارتر و هو تلميذ جاكوب المشار اليه مخطوط المنقذ. و قد آل هذا المخطوط عام 1665م إلى حوزة مكتبة جامعة ليدن بهولاندا. أي بعد وفاة ديكارت ب 15 عاما فقط. و هذا المخطوط موجود الآن في مكتبة جامعة ربيك تحت رقم (1) 846 و فضلا عن ذلك يضم قسم المخطوطات العربية بالمكتبة الوطنية في باريس مخطوطا لكتاب المنقذ تحت رقم (24-25) 1331 كان معروفا في العصر الذي عاش فيه ديكارت"
السؤال الجوهري الذي سنطرحه الآن:  من هو الامام أبو حامد الغزالي؟
نبذة عن حياة الامام الغزالي:
1-   هو محمد بن محمد الغزالي ولد في قرية طوس من أقاليم خرسان عام 450 هـ. كان والده يغزل الصوف و يبيعه في دكانه بطوس فلما حضرته الوفاة وصى به و بأخيه أحمد إلى صديق متصوف.
2-   قرأ الغزالي في صباه طرفا من الفقه ببلدة "طوس" على الامام أحمد الراذكاني. ثم سافر إلى "جرجان" ليأخذ العلم عن الامام ابي نصر الاسماعيلي. فسمع منه، و كتب عنه و علَّق عنه التعليقة. ثم رجع إلى طوس.
3-   قال الامام أسعد الميهني: سمعتُه يقول: قُطعت علينا الطريق، و أخذ العيارون جميع ما معي و مضوا، فتبعتهم، فالتفت إلي مقدمهم و قال: ارجع ويحك. و إلا هلكتَ فقلتُ له: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد علي تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به، فقال لي: و ما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة، هاجرتُ لسماعها و كتابتها، و معرفة علمها فضحك و قال: كيف تدعي أنَّك عرفتَ علمها، و قد أخذناها منك، فتجردتَ من معرفتها، و بقيت بلا علم، ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلي المخلاة. قال الغزالي: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به في أمري فلما وافيتُ "طوس" أقبلتُ على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظتُ جميع ما علقته، و صرتُ بحيث لو قطع الطريق علي لم أتجرد من علمي.
4-   قدم الغزالي إلى مدينة "نيسابور" و لازم إمام الحرمين أبا المعالي الجويني و جدَّ و اجتهد حتى برع في المذهب الشافعي و الخلاف و الجدل و الاصلين إلى وفاة الامام  الجويني عام 478 هـ الذي قال فيه: الغزالي بحر مغدق.
5-   بعد عام 478 هـ خرج الى المخيم السُّلطاني قاصداً "نظام الملك" الذي كان مجلسه محط رحال العلماء, فوقعت للغزالي اتفاقات حسنة من الاحتكاك بالأئمة فناظر الفحول و قهر الخصوم و ظهر كلامه. و اعترفوا له بفضله.
6-   في عام 484 هـ ولي التدريس في المدرسة النظامية ببغداد. و قد دخل بغداد و قد بلغ 34 . و كانت شهرته قد سبقته إليها، بلغ أوج مجده العلمي في هذه المدرسة. حيث كان يحضر درسه أزيد من 300 عمامة من آكابر العلماء. و صار إمام العراق بعد إمامة خرسان كما يقول عنه معاصره الثقة عبد الغافر في ترجمته له.
7-   في عام 488 هـ غادر الغزالي بغداد و حج ثم توجه الى الشام حيث أقام بها عشر سنين. قضى بعضها في بيت المقدس. و كان يعتكف في منارة مسجد دمشق طول النهار.
8-   عاد الغزالي بعد تلك العزلة التي استمرت 10 سنين الى بلده طوس ليتابع عزلته التي استمرت حتى سنة 499 هـ حيث خرج تحت الحاح الولاة و طلبة العلم إلى نيسابور ليدرس بالمدرسة النظامية هناك.
9-   لم تطل اقامته في نيسابور و كانت المدة التي درسها في النظامية فيها يسيرة، ثم ترك ذلك و عاد الى طوس و اتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم.
10-                     كانت خاتمة أمره اقباله على حديث المصطفى و مجالسة أهله و مطالعة الصحيحين و لو عاش لسبق الكل في ذلك الفن كما قال عبد الغافر. قال أخوه أحمد عن آخر لحظات أيامه: لما كان يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخي و صلى و قال : علي بالكفن فأخذه و قبله و وضعه على عينه وقال: سمعا و طاعة للدخول على الملك ثم مدَّ رجله و استقبل القبلة ففاضت روحه.  
-ج- الغزالي و العلوم الاسلامية :
العلوم الشرعية تنقسم الى قسمين:
    -علم الألات:
1.     علم مصطلح الحديث
2.     علم المنطق
3.     علم اصول الفقه
4.     علم اللغة العربية
   -علم المقاصد:
1.     علم القراءات
2.     علم التفسير
3.     علم شروح الحديث
4.     علم أحكام أفعال المكلفين:
·        علم الفقه
·        علم الكلام
·        علم التصوف.
برع الامام الغزالي في علم المنطق و أصول الفقه. (من علوم الالات) و كذا برع في علم التصوف و الكلام و الفقه ( في علم المقاصد).
Ø     الغزالي و علم أصول الفقه:
ممَّا هو معروف أنَّ الواضع لهذا العلم هو الامام الشافعي في كتابه " الرسالة" سواء بصبغتها الحديثة و القديمة. و موضوع هذا العلم:
-معرفة الأدلة الكلية للشريعة الاسلامية
-معرفة كيفية الاستفادة من هذه الأدلة
-معرفة حال المستفيد.
فبحث الأصوليون هذه المباحث فزادوا و نقحوا و توسعوا فيه توسعا كبيراً. إلى مطلع القرن الخامس الهجري حيث انحصرت مشاربه في أربعة كتب : كتاب "البرهان للإمام الجويني و المستصفى للغزالي و العهد لعبد الجبار و شرحه المعتمد لأبي الحسين البصري.
إذن كان كتاب "المستصفى" رابع أربعة أفضل كتب علم أصول الفقه. و قد حاول "فخر الدين الرازي" تلخيص هذه الكتب الأربعة متبعاً نهج المتكلمين في ترتيب مسائله في كتابه "المحصول". و كذا منافسه "الآمدي" في كتابه "الاحكام".  فجاء من بعده الامام "ابن الحاجب " الذي أعجب بكتاب الامدي و اختصره في كتابه "المختصر الفقهي". و جاء بعد الرازي البيضاوي الذي اختصر كتابه في كتابه "المنهاج". و حاول تاج الدين السبكي جمع المنهجين في كتابه "جمع الجوامع". و على هذه الكتب "المختصر، المنهاج، جمع الجوامع" مدار علم أصول الفقه إلى يومنا هذا.
Ø     الغزالي و علم المنطق:
كان المنطق قبل الغزالي حكراً على من يمارس الفلسفة. و الفقهاء قبله. إذ لمَّا نظروا في الفلسفة فوجدوا ضمن نصوصها ما قطعوا مخالفته لأصول الدين حرَّموا على العامة الاشتغال بها. و المنطق كذلك أصابه ما أصاب الفلسفة. ذلك لأنَّهم رأوا ضمن الأمثلة التي فيه أشياء لم يرتضوها. فالغزالي ذهب الى تدوين علم المنطق بغير أن يمثّل بتلك الأمثلة الفاسدة من النظر الفقهي. و هذا ما صنع في كتابه "معيار العلم".  و اختصره في كتابه "محك النَّظر".
Ø     الغزالي و علم أحكام الأفعال:
موقع الامام الغزالي ضمن رجالات علم الكلام هو من بين أبرز  متكلمي الاسلام. و يقولون أنه لولا "الجويني لما ذهب الغزالي و لما راح" إلا أنَّ له قدرة مبهرة على تسهيل الصعب و تبسيط المركب و اختراع الأمثلة و غير ذلك من طرق البسط. و تظهر براعته في علم الكلام من خلال كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد".
أمَّا موقعه في الفقه فله كتب منها "البسيط و الوسيط و الوجيز" و كذا كتابه "الخلاصة.
و كما ذكر في كتابه "المنقذ من الضلال" فإن الغزالي وضع أمامه خطة منهجية تُمكنه من فحص المناهج الفكرية الموجودة حوله:
v    منهج المتكلمين
v    منهج الفلاسفة
v    منهج الباطنية
v    منهج الصوفية
        فبعدما وصل الغاية في علم الكلام أقرَّ له بصلوحيته في مقصده، و نظر الى شقيه الكبيرين : علم التوحيد الذي مقصده تبين عقائد الاسلام، و رأى أنه مطلوب كالغذاء، و هذا القسم مبسوط في القرآن الكريم. الشق الثاني من علم الكلام و هو تفنيد تشكيكات المخالفين و هذا كالدواء مطلوب فقط للإستشفاء. انتقل بعد ذلك إلى دراسة منهج الفلاسفة و اطلع على أفضل ما كتب في عصره و هي كتب الفارابي و ابن سينا. فأظهر مقاصدهم في كتابه "مقاصد الفلاسفة". ثم عرج على منهجهم بالنقد و تبين ضعف أدلته من جهة و مخالفة الأحكام التي يتفقون فيها لأصول الاسلام من جهة ثانية. كل ذلك في كتابه "تهافت الفلاسفة".  ثم انتقل الى مناقشة فرقة الباطنية في كتابه "فضائح الباطنية".
بعد أن أتم هذا كلَّه. ضلت نفسه تنازعه للخروج للسياحة و المجهادة. ذلك قصد الاطلاع على أذواق الصوفية الذين اطلع على أغلب كتبه مثل "كتب المحاسبي و الجنيد و ابن مكي و القشيري..." و أقرَّ بأنَّها سهلة القراءة صعبة التطبيق. فلم تطاوعه نفسه إلا بعد أن انغلق لسانه عن الكلام. عندئذ خرج فطاف البلاد من بيت المقدس إلى غيرها و همَّ بالمجيء الى المغرب قصد الالتقاء بيوسف بن تاشفين. إلا أنه قد بلغته وفاته فأحجم عن قصده. و من بين آثاره في هذه الرحلة كتابه العظيم "إحياء علوم الدين".
نقولات من كتاب المنقذ من الضلال :
1.     فقد سألتني أيها الأخ الكريم في الدين، أن أبث إليك غاية العلوم و غائلة المذاهب و أغوارها.
2.     و ما استفدته أولا من علم الكلام، و ما اجتويته ثانيا من طريق أهل التعليم القاصرين لدرك الحق على تقليد الامام و ما إزدرته ثالثا من طريق التفلسف و ما ارتضيته آخرا من طريق التصوف. و ما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق من لباب الحق. و ما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة و ما ردَّني إلى معاودتي بنيسابور بعد طول المدة.
3.     إعلموا أحسن الله تعالى ارشادكم و الآن الحق لكم أن اختلاف الخلق في الأديان و الملل. ثم اختلاف الأمة في المذاهب مع كثرة الفرق و تباين الطرق. بحر عميق غرق فيه الأكثرون و ما نجا منه الا الأقلون. و كل فريق يزعم أنَّه الناجي.
4.     و لم أزل في عنفواني شبابي منذ راهقتُ البلوغ قبل بلوغ العشرين، إلى الآن و قد أناف السن على الخمسين. أقتحم لجة هذا البحر العميق و أخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور. أتوغل في كل مظلمة و أتهجم على كل مشكلة. و أتقحم كل ورطة. و أتقمص عن عقيدة كل فرقة. و أستكشف أسرار مذهب كل طائفة لأميز بين محق و مبطل. و متسنن و مبتدع. لا أغادر باطنيا إلا و أحب أن أطلع على باطنته. و لا ظاهريا إلا و أريد أن أعلم حاصل ظاهرته و لا فلسفيا إلا و أقصد الوقوف على كنه فلسفته. و لا متكلما إلا و أجتهد في الإطلاع على غاية كلامه و مجادلته. و لا صوفيا إلا و أحرص على العثور على سر صوفته. و لا متعبدا إلا و أترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته. و لا زنديقا معطلا إلا و أتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله و زندقته.
5.     و قد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي و ديدني من أوَّل أمري و ريعان عمري. غريزة و فطرة من الله وضعتا في جبلتي. لا باختياري و حيلتي. حتى انحلت عني رابطة التقليد. و انكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا. إذ رأيتُ صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر. و صبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود. و صبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الاسلام. و سمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قال: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه." فتحرك باطني إلى حقيقة الفطرة الأصلية. و حقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين و الأستاذين. و التمييز بين هذه التقليدات و أوائلها تلقينات. و في تميز الحق منها عن الباطل اختلافات. فقلتُ في نفسي: أوَّلاً، إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؟ فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، و لا يقارنه امكان الغلط و الوهم؟  و لا يتسع القلب لتقدير ذلك بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنا لليقين. مقارنة أو تحديا بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا و العصا ثعبانا، لم يورث ذلك شكا و انكارا، فإنني إذا علمتُ أن العشرة أكثر من الثلاثة فلو قال لي قائل: لا بل الثلاثة أكثر، بدليل أنني أقلب هذه العصا ثعبانا و قلبها و شاهدتُ ذلك معه، لم أشك بسببه في معرفتي. و لم يحصل لي معه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه. فأما الشك في ما علمته، فلا، ثم علمتُ أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه، و لا أتيقنه هذا النوع من اليقين فهو علم لا ثقة به و لا أمان معه. و كل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني.
6.     و لما شفاني الله تعالى من هذا المرض بفضله و سعة جوده انحصرت اصناف الطالبين عندي في أربعة فرق (بتصرف) 1. المتكلمين،2. الباطنية، 3. الفلاسفة. 4. المتصوف.
7.     ابتدأتُ لسلوك هذه الطرق، و استقصاء ما عند هذه الفرق مبتدئا بعلم الكلام و مثنيا بطريق الفلسفة و مثلثا بتعليم الباطنيةن و مربعا بطريق التصوف.
8.     ثم ابتدأت بعلم الكلام فحصلته و عقلته و طالعتُ كتب المحققين منهم. و صنفتُ فيه ما أردتُ أن أصنف، فصادفته علما وافيا بمقصوده، غير وافٍ بمقصودي.
9.     ثم اني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام، بعلم الفلسفة و علمتُ يقينا أنَّه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك، ثم يزيد عليه و يجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور و غائلة. و إذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساد حقا و لم أر أحدا من علماء الاسلام صرف عنايته و همته إلى ذلك. و لم يكن في كتب "المتكلمين" من كلامهم، حيث اشتغلوا بالرد عليهم إلا كلمات معقدة مبددة، ظاهرة التناقض و الفساد. لا يظن الاغترار بها عاقل عامي. فضلا عمن يدعي دقائق العلوم فقلتُ أنَّ ردَّ المذهب قبل فهمه و الاطلاع على كنهه رمي في عماية. فشمَّرتُ عن ساق الجد، في تحصيل ذلك العلم من الكتب، بمجرد المطالعة من غير استعانة باستاذ، و أقبلتُ على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف و التدريس في العلوم الشرعية، و أنا ممنو بالتدريس و الافادة ل 300 نفر من الطلبة ببغداد. فأطلعن الله سبحانه و تعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة على منتهى علومهم في أقل من سنتين. ثم لم أزل أواظب على التفكير فيه بعد فهمه قريبا من سنة أعاوده و أردده و أتفقد غوائله و أغواره. حتى أطلعتُ على ما فيه من خداع و تلبيس و تحقيق و تخييل اطلاعا لم أشك فيه.
10.                        ثم إني لما فرغتُ من هذه العلوم. أقبلتُ بهمتي على طرق الصوفية و علمتُ أن طريقتهم إنما تتم بعلم و عمل و كان حاصل علومهم قَطع عقبات النفس و التنزه عن أخلاقها الذميمة و صفاتها الخبيثة حتى يتوصل بها الى تخلية القلب عن غير الله تعالى و تحليته بذكر الله.
11.                        و كم من الفرق بين أن تعلم حد الصحة و حد الشبع و أسبابها و شروطها. و بين أن تكون صحيحا و شبعانا؟ و بين أن تعرف حد السكر و أنَّه عبارة عن حالة تحصل من استلاء ابخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر. و بين أن تكون سكرانا. بل السكران لا يعرف حد السكر، و علمه و هو سكران و ما معه من علمه شيء. و الصاحي يعرف حد السكر و أركانه و ما معه من السكر شيء. و الطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة و أسبابها و أدويتها و هو فاقد الصحة فكذلك فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد و شروطه و أسبابه. و بين أن تكون حالك الزهد و عزوف النفس عن الدنيا.


صناعة التَّأمل و التَّفكير. يوسف المداني


صناعة التَّأمل و التَّفكير (2). 
-أ- مقدِّمة: 
1. جرى بيننا و بين مجموعة من طلاب العلم في الأسبوع الماضي، تحت اشراف جمعية أمل للعلم و تنمية المكتسبات في تونفيت، نقاش حول مقالنا "صناعة التأمل و التفكير (1)". و سنحرص في هذا المقال على الإجابة على بعض الأسئلة التي طُرحتْ. و نعزو كلَّ سؤال لصاحبه رغم كون عباراته -في الغالب- منَّا. فإن وُجِدَ قصور في العبارة فمني. و كلُّ من رأى أننا لم نُوفَّق في اقتناص سؤاله على ما يجب فليُنبهنا بإعادة طرحه. و ذلك لأنَّ جلَّ تلك الأسئلة نَنقلها من ذاكرتنا. و كلُّ من وجد في جوابنا نقص فلينبهنا عليه. 

2. كان بالإمكان جرد النَّظريات الكبيرة التي تشرح عملية التأمل و التفكير و محاولة احصاء المدارس الفلسفية و الكلامية التي بُنيت من أجل ذلك. لكن ارجأنا ذلك إلى ما بعد الحصول على ما يبدو لنا صحيحاً. ثم الوقوف على ما هو مشترك بيننا لنجعله قاعدة عليها نصعد. ثم بعد ذلك إذا طرحنا مدرسة من المدارس أجرينا مقارنة بين ما هي عليه و ما قد حصلنا عليه سلفا. 
سنبدأ بطرح مجمل الأفكار التي قدَّمناها بين يدي اللقاء ثمَّ نعَرِّج على الأسئلة. 

-ب- وجوب تعلم الطريقة الصحيحة في التَّفكير: 
كل انسان منذ طفولته يأكل و يشرب، لكن يجهل الطريقة و الكيفية التي تَهضم بها معدته الطعام. إذ لا تكفي ممارسة عملية الأكل و الشرب ليعرف كيفية هضم معدته الطعام. و كل انسان يبدأ بممارسة عملية التَّفكير منذ طفولته أيضا. و لا يكفي، ليتْقنَ "صناعة التأمل و التفكير"، أن يمارسه من غير وعي. بل لا بد أن يتعلم الطريقة الصحيحة في التكفير. و الطريقة تكون صحيحة إذا كانت غير مناقضة للضروريات و البديهيات. و الضروريات و البديهيات تأتي من الحس و الأوَّليات العقلية. و من هنا نقول أنَّه يجب على طالب العلم تعلم كيف يستعمل عقله و حسه. 

-ت- الإختلاف بين تغذية أجسادنا و تغذية عقولنا: 
-1- تأتي تغذية أجسادنا بعد ألم الجوع و العطش. لكن يأتي ألم جوع عقولنا و عطشها بعد تغذيتها. 

-2- نغذي أجسادنا لمواصلة العيش. و نغذي عقولنا لمواصلة الحياة. فكم من عائش غير حي (المنغمس في أهداف الفم و الفرج). و كم من غير عائش حي (الأنبياء و العلماء و العظماء الذين هلكوا لكن خلفوا علماً). و كم من عائش حي (من يُوازن بين متطلبات الجسد و طموع الخلود بنتاج العقل). و كم من غير عائش و غير حي (مثل العديد من البشر الذين هلكوا و لم يُخلفوا أثراً معرفيا و لا علميا.) 

-ث- الأسئلة: 
عزيز امنهو (أستاذ الفزياء ): 
1- ماهو الفرق بين التَّأمل و التفكير؟ ذلك لأنَّك وضعتهما في عنوان المقال. فإن لم يكن بينهما اختلاف حَسُن ازالة أحدهما. و إن كان بينهما اختلاف فأظهره لنا. 
أقول: "التفكير" تحريك الإدراكات الموجودة في النفس بغير اشتراط البلوغ الى معرفة شيء. و التَّأمل تحريكها بأمل الوصول إلى مجهول. فالتفكير أعم من التَّأمل. إذ كل تأمُّل تفكير و ليس كل تفكير تأمل. و لكل منهما صناعة خاصة به. و يظهر أنَّ العناية بصناعة الحركة المطلقة للإدراكات غير العناية بصناعة الحركة القصدية. لذلك جعلتُ العنوان "صناعة التأمل و التفكير" بمعنى "صناعة التأمل" و "صناعة التَّفكير". و قدَّمتُ التَّأمل على التَّفكير لكونه المقصود بالذات. 

2- من جهة نظري. كان من الأفضل لو قُلتَ "كيف نمارس التفكير؟" كعنوان للمقال. 
أقول: السؤال بكيف نطلب به تحديد حالة من الحالات الجائزة على الموضوع. و النَّاظر في هذا الجزء من المقال الذي كتبناه لا يجد فيه إلا طريقاً كليا و مجملاً. إذ ذهبنا فيه مذهب البحث عن المشترك بين الناس. فجعلنا "صناعة التأمل و التفكير" تنقسم الى قسمين : من المطالب الى المبادئ . من المبادئ رجوعا الى المطالب. و هذا لا يُعدّ تحديدا لحالة من حالات التفكير. فلو كان عنوان المقال كما ذهبتَ لوقعنا في تَخالف بين مُدَّعى العنوان و بين ما هو مُقدَّم في المقال. 

3- قُلت: "من فقد حساّ فقد علما" . هناك الكثير من العلماء من كان فاقد للحس –كمثل هوكنغ- لكن رغم ذلك صار عالما؟ إذ فُقدان الحس لا يمنع الإنسان أن يصير عالماً. 
أقول: الاعتراض على تلك العبارة بمثال "هوكنغ" لا يتم. و ذلك لأنَّ هذا الأخير غير فاقد لأي حس. فسقط الاعتراض به. و معنى العبارة أنه من فقد الحسَّ الذي به يُتَوصَّل إلى إدراك الجنس الخاص به يَمتنع عليه إدراكه بغيره. مثلاً من فقد حاسة السَّمع تَعذَّر عليه إدراك الأصوات بعينه مثَلاً. ثم أقول: صفة "عالم" تتعلق بشيء. فنطلق هذه الصفة على الانسان باعتبارات مختلفة. فنقول عالم في الأحياء و عالم في الرياضيات و عالم في الفزياء... و نقصد بذلك أنَّه يقتدر على الاستدلال على المقولات الموجودة في ذلك العلم. فيمكن أن تحصل هذه الملكة عند الانسان رغم كونه فاقدا لحس. و هناك أمثل في التاريخ لعلماء في الرياضيات فقدوا حواسهم مثل "Euler " الذي كان مضرب المثل في النجابة الرياضياتية لكنه فقد بصره في آخر عمره. ففقدانه للحس لم يجعله يفقد علم الرياضيات و براعته فيها. و أخيراً نقول أنَّ الحس هو شرط للتَّعقل و ليس علةً له. 

يوسف بن لحسن المداني (تلميذ في الباك): 
1- تباعاً للتمييز الذي وضعته بين العيش و الحياة. و قولك بوجود أربعة أصناف: عائش حي. عائش لا حي. لا عائش حي. لا عائش لا حي. فإلى أي الأصناف ينتمي الحاضرون لهذا اللقاء؟ 
أقول: من الحاضرين من أعرف . و منهم من لا أعرف. فأما أولئك الذين أعرفهم من أمثال "إدريس باموح (الأديب و الشَّاعر)، حميد أخازيز(اللبيب و المدقِّق)، سمير بداوي(الفيلسوف النتشاوي)، عزيز منهو(المُنمِّي البشري)، لحسن زروال (رائد القضية الأمازيغية)، صفاء قدوش(المناظرة الذكية)، علي أعبيشى (الفيلسوف الكانطي)، يوسف بوشام (عالم الفزياء مستقبلا)..." هؤلاء أجد فيهم الثراء المعرفي و الحياة العقلية. يجوز أن أختلف معهم. لكن قطعاً هم من الصنف الأوَّل. . و الذين لا أعرفهم من الحاضرين يتعذر علي الحكم عليهم. فالحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره. 

توجيه من الأستاذ عزيز منهو: الذي حضر إلى اللقاء قدَّم أكبر دليل على حياته الفكرية. 

2- في مقالك الذي قدَّمتَ. طرحتَ طرقاً كليةً لما تفهمه من صناعة التفكير. من أين لك أنَّ هذه الطريقة هي الطريقة الصحيحة لصناعة التفكير؟ و أليس هناك طرق أخرى غيرها؟ 
أقول : الشيء الذي إدعيتُه في المقال هو أن أي إنسان عندما يقصد إلى تعلم شيء جديد يتحرك ذهنه من ذلك الشيء إلى البحث. و لم أقدِّم بعد طريقة لفعل ذلك ، لذلك أرى أنَّ هذا السؤال سابق لأوانه. بل و الجواب عن مثل هذا السؤال يتطلب دراسة لمناهج مختلفة و متعددة. فمن المجازفة التقدم نحو الجواب عليه قبل النظر في الأشياء التي يقلُّ فيها الاختلاف. و من بين هذه الاشياء تلك التي طرحتُ في المقال. 

سمير بدوي (استاذ الفلسفة) 
(و هو قد تممَّ سؤال التلميذ وليد لذا لم أنقل كلام هذا الأخير و اكتفيتُ بقول الأستاذ سمير): 
1- التمييز الذي قدَّمتَ بين الكلام النفسي و بين العلم غير مسلَّم. ففي نظري يتعذر وجود فكر فضلا عن العلم من غير كلام. فالعلم معنى. و الكلام هو لفظ يحمل معنى. فكيف يجوز وجود كلام نفسي بدون أن يكون حاملا لعلم؟ 
أقول : العلم هو معنى يُطابق ما هو في الخارج. أمَّا الكلام النفسي فهو معنى يَجوز أن يُطابق ما هو في الخارج كما يجوز أن لا يطابقه. فرغم كونهما من نفس الجنس (الذي هو المعنى) إلاَّ أنَّهما يختلفان من جهة اعتبار المطابقة و غير المطابقة. و من هنا نقول بجواز ان يكلِّم الانسان نفسه بشيء ليس هو علم في نفسه. أنظر معي: افرض أنَّ التمييز الذي قدَّمته بين الكلام النفسي و العلم ليس له مصداق في نفسه. لكن رغم ذلك فنفسي تتكلَّم بهذا الفرق. فكون أنَّه لا مصداق له في نفسه يَنفي عنه صفة "العلم". و لكن رغم ذلك أجد أنَّ نفسي تتكلم به. لذلك لا ينفي عنه وصف كونه "كلام نفسي". فظهر بهذا أنَّ الكلام النفسي غير العلم. 
2- لا اسلِّم لك التمييز بين العيش و الحياة؟ فما هو الاعتبار الذي تبعته في هذا التمييز؟ 
أقول : لا مشاحة في الاصطلاح. ميَّزتُ بين معنيين : الأول كون الانسان يُوقِف همَّه على هدف واحد هو اشباع رغبة الفم و الفرج. الثاني كون الانسان له همُّ إكمال نفسه بالمعارف. و من الظاهر أنَّ هذين المعنيين مختلفان. فاصطلحتُ للأول لفظ "العيش" و الثاني لفظ "الحياة". 
إدريس باموح (أستاذ الفرنسية): 
قُلتَ أنَّ النَّظر هو ترتيب المعلومات للحصول على المجهولات. و يجوز أن يكون لكل انسان ترتيب خاص به. إذن تتشعب الطرق الموصلة إلى المجهول بكثرة النَّاس. كيف يمكننا أن نحدد أي هذه الترتيبات صواب و أيها غير صائب؟ 

أقول: سبق أن قلتُ أن الطريقة الصحيحة هي تلك التي لا تناقض الضروريات و البديهيات. فمن سلك طريقة في ترتيبه أفضتْ به إلى مناقضة ما هو ضروري أو بديهي تأكَّد لنا بذلك أنه قد أخطأ. و الطرق منها ما هو جليّ واضح مثل "أ يستلزم ب" و " ب يستلزم ج" إذن "أ يستلزم ج". و منها الغامض إن حلَّلناها وجدناها ترجع إلى هذا الجلي الواضح. و يلزم أي إنسان ادعى دعوى أن يسندها بدليل. و كل دعوى عارية عن الدَّليل فهي ساقطة. 

حفصة ايت المداني (تلميذة في الجدع المشترك علمي): 
لماذا جعلتَ مقوم "صناعة التأمل و التفكير" من مقوِّمات الباحث العلمي؟ 
أقول : يلزمك قراءة مقالي "مقوِّمات الباحث العلمي. و هناك نظرتُ إلى المقومات الاساسية التي يحتاج إليها أي باحث في العلوم. ثم بدأتُ بمقدِّمة: أنَّنا كلُّنا قد جئنا إلى هذه الدنيا و أنفسنا خالية عن المعارف. و ذهبتُ إلى أنَّه من بين الطرق التي يُدخل بها الانسان المعارف إلى ذهنه توجد القراءة. و بعد أن تكثر هذه المعارف في نفسه يتوجَّب عليه البحث عن طريق آخر يصل به إلى معارف أخرى ليست من جنس ما قرأه. و قلتُ أنَّها طريق التَّأمل و التفكير. و يتوجب عليه إتقان هذه الصناعة لما قلتُ في المقدِّمة. 

علي أوعبيشى (أستاذ الفلسفة): 

1- أختلف مع المفهوم العام من موضوعكم. و المفهوم العام منه انَّكم تميلون إلى القول أنَّ العلم قائم على النظام. و أنَّه بوسع أي كان تتبع تقنيات محدَّدة فيحصل إثره على العلم. و من جهة نظري هناك جزء كبير من العلم قائم على الصدفة. فلذا لا أعتقد بوجود وصفة سحرية و جاهزة ليصبح الانسان باحثا علميا. 
أقول : أولاً: لا يظهر من كلامي أنني أذهب لا إلى كون العلم قائم على النظام التام و لا إلى نقيضه. بل الهم الذي أردتُ أن أصل إليه تقديم أرضية يقل عليها الخلاف. و هذه الأرضية هي ملاحظة عمل الذهن في حركته ذهابا و مجيءً. و دعواك أنَّ هناك جزء كبير من العلم قائم على الصدفة يحتاج إلى دليل. و لا يسعفك في ذلك ما تعتمد عليه من أمثلة. من قبيل أنَّ هناك علماء طبيعيون قد تنبهوا بحكم المصادفة إلى قوانين طبيعية. فهذا لا يجعل من العلم نفسه قائما على المصادفة. بل الشيء الذي هو قائم على المصادفة هو تنبههم فقط. أمَّا بعد تنبههم إلى ذلك يحتاجون إلى دعم كل ذلك بأدلة. و هنا يحدث لهم ما شرحته في المقال. ثانيا: إذا ظهر أن الشيء القائم على الصدفة هو التنبه و ليس ذلك الادراك المُعزَّز بدليل الذي نطلق عليه اسم "العلم" تعذر عليك أن تُطلق القول بعدم وجود وصفة تَجعل الانسان باحثا علميا. و الواقع يُخالفك. بل حِرْصُ الكَثِير من الدول في استجلاب العلماء إلى مراكز أبحاثها و إحاطتهم بالتلاميذ و صرف الأموال الطائلة من أجل إتقانهم الأدوات البحثية التي يملكونها.. كلها أمور تؤكد أن هناك شيء عندهم يتوجب تعلُّمه. و هذا الشيء هو ما ذهبتُ إليه في المقال. أي إتقانهم الانتقال من الأشياء المجهولة إلى المعلومة و العودة لإدراك المجهولة. 

2- العديد من الأخطاء التي يتخبط فيها الانسان مَردُّها إلى تلك التصورات التي اكتسبها من محيطه الاجتماعي. فلذا أرى أنَّه لزاما على الانسان، إن أراد البحث في العلم، قطع صلته بتلك المكتسبات. بل أكثر من ذلك يجب عليه، تباعاً لما قرَّره كانط، أن يكون بحثه موضوعيا، عقلانيا، صوريا، كونيا. إذ العلم لا دين له و لا وطن له و لغة له. 
أقول: لا أختلف مع هذا الكلام في عمومه.


تعرف على منطقتك، دراسة عامة لمنطقة تونفيت.

تعرف على منطقتك 
  دراسة عامة لمنطقة تونفيت.
جزء 1
أ – طبيعــيــا :

* الموقع الجغرافي :

بالرجوع إلى التسمية التي أطلقت منذ أمد بعيد على مدينة تونفيت نجد أنها من المنطلق اللغوي تعني بالأمازيغية " تنفي" أي لا ترى من بعيد بحكم موقعها بين سلسلتين جبليتين هما جبل المعسكر وجبل العياشي وعلى أي ، فتونفيت تقع بين سهل ملوية شمالا وسلسلة الأطلس الكبير الشرقي المعروفة بالجبلين المذكورين ، فالأول يبلغ علوه 3277 م والعياشي حوالي 3757  جنوبا، وبحدها شرقا حلف "أيت يفلمان" من أيت حديدو ومنابع ملوية العليا غربا، وحسب المصادر التاريخية تعتبر تونفيت النقطة الإستراتيجية التي اعتمد عليها المحتل الفرنسي إبان اجتياحه لمناطق الاطلس المتوسط والأطلس الكبير لنشر قواته الإستعمارية باعتبارها معقل الحركة الوطنية. والحركات الانفصالية المسلحة التي كونتها قبائل المنطقة وعلى سبيل الذكر الزوايا الإصلاحية العريقة في المناطق الجبلية، ولعبت تونفيت دورا هاما في المقاومة اذ وقفت ندا للند أمام العدوان الغاشم، نتيجة لبسالة مجاهديها، ولنداءات المرابطين بالمنطقة وبالخصوص أسرة سيدي علي أمهاوش وسيدي محمد بن الطيبي، وتشمل منطقة الأطلس الكبير الشرقي أربع جماعات قروية وهي جماعة تونفيت المركز، جماعة سيدي يحيى أيوسف وجماعة أكوديم، ثم جماعة انمزي، وتبقى جماعة تونفيت وأنمزي من أهم هذه الجماعات، وهذه الأخيرة التي اعتبرت ملاذا للحركة الوطنية إبان الاستعمار حيث شهد لها التاريخ بالمسارات النضالية ضد المستعمر وخاصة في جبال " تازيزاوت".

· التضاريـس :
إذا كان أهم ما يميز المنظر الجغرافي شلكه التضžجهنا نحو الجنوب الشرقي.
أما بالنسبة للحرارة فينزل معدلها على 9,5°C و12 °C . ما بين 5 اكتوبر وماي مما يفسر ارتفاع المدى الحراري السنوي الذي يبلغ 21,8 °C وترتبط قارية مناخ تونفيت بالعوامل التالية :
- البعد عن البحر مما يجعل المدى الحراري مرتفعا بين فصلي الشتاء والصيف.
- الحواجز الجبلية للأطلس الكبير جنوبا والأطلس المتوسط شمالا مما يجعل المنطقة في مخابئ طبوغرافية لا تخضع لمؤثرات بحرية.
- اعتبار ملوية العليا عامة كحد فاصل بين المناطق المغربية المعتدلة في الشمال والمناطق الشبه الصحراوية في الجنوب.

ب- بشــريا :

تتألف ساكنة المنطقة من مجموعة من القبائل يبقى أبرزها: قبائل أيت يحيى، والتي تنتمي بدورها إلى أكبر كنفدرالية أمازيغية " حلف أيت يفلمان" والتي تعني "الباحثون عن الأمان". فلها نفس أصل أيت عياش وأيت زدك المتمركزون شمال الأطلس وجنوب أيت حديدو. وتستوطن هذه القبائل بتونفيت وتقدر منازلهم ب 300 منزل ابان الاستعمار، وتحدد مقاطعهم جنوبا من أيت عياش وأيت بوكمان غربا وأيت مسعود وإيشقيرن شمالا  ومن هذه القبائل التي تنتمي إلى قبائل أيت يحيى، والتي تحالفت معها لدرء خطر أيت عطا نذكر : أيت علي ابراهيم ، وأيت حدو، وأيت عسو، أيت يحى أيت عيسى، افقرن، أيت اعو، وإشكاون ، ولهذه القبائل فروع بتونفيت والتي أوضحا القبطان سعيد كنون في الجدول التالي .

القبائل
الأماكن بتونفيت
عدد المنازل
عدد الخيام
أيت علي ابراهيم، أيت بن سعيد ، أيت علي
قصر أيت ملول
40
60
أيت حدو، أيت عسو، أيت مسكور، أيت يجى، أيت عيسى، افقرن، أيت إيشو
إشمحان
80
20
أيت بن حماد ، اخوشين
أيت عبدي
40
30
زومان – أيت عبد نور، أيت ازمار
أيت وخليف
20
40
أيت فضولي، ايت اعو، اشكاون
أيت فضولي
100,180,150
250

وقد تم اختلاط وتزاوج بين هذه القبائل بمختلف مواقع استيطانها، وكونت اتحادية أيت يحيى المنتمية لـ " حلف" أيت يفلمان".

ج : اقتصاديا :

نظرا لهذه الخصائص الطبيعية، فإن النشاط الإقتصادي لتونفيت كان يعتمد على الفلاحة والرعي بالخصوص، نتيجة لقساوة المناخ فإنها لا تتوفر على مجال كبير للزراعة، إلا أنها في فصل الصيف تعتبر مرتعا لقطعان القبائل التي تستقر بها خلال هذا الفصل لتوفر مراعي " ألمو" الخصبة وهو ما عبر عنه مارمول " والأراضي صالحة جدة في الجبال لرعي الماشية لأن الكلأ ينبت فيها بغزارة". وهناك أيضا عدة اماكن للوقاية من حرارة الشمس والصيف، لكن الثلج يسقط أثناء الشتاء بمقدار عظيم حتى أن القطعان تموت احيانا من جراء ذلك، إن لم تسحب باكرا إلى السهل ، وبذلك فهي لا تسمح لحياة بشرية مستقرة. بل تعتبر مسرحا لتحركات بعض قطعان قبائل أيت يحيى.

محمد اسرغين / رشيد ناصري


أعلى
associationamal